المعابد في الأقصر لا تُزار كأنها مبنى تدخل إليه ثم تخرج. بعضها يحتاج أن تمشي فيه قليلًا حتى تستوعب حجمه، وبعضها يجعلك تقف ساكتًا لأن الصورة التي كانت في رأسك أصغر بكثير من الحقيقة.
هذا كان إحساسي مع الكرنك. رأيت آثارًا كثيرة من قبل في مصر، لكن الوقوف بين الأعمدة شيء آخر. كل ما حولك كبير: الحجر، الارتفاع، المساحات، والنقوش. وأنت تمشي تحاول مرة أن تنظر أمامك، ومرة ترفع رأسك، ومرة ترجع خطوتين فقط لكي تدخل الأعمدة كلها في الصورة.

لم أكن ذاهبًا للأقصر كباحث آثار، ولا أحفظ أسماء الملوك والسلالات، وما زلت لا أفعل. الذي شدني هو المكان نفسه. كيف بقي؟ كيف رفعوا كل هذا؟ وكيف تستطيع أن تمر من هنا بعد آلاف السنين وتظل العمارة قادرة على أن تجعلك تشعر بصغرك أمامها؟
على هامش الرحلة
الكرنك ليس معبدًا واحدًا بالمعنى البسيط، بل مجمع كبير من المعابد والمقاصير. وتذكر وزارة السياحة والآثار المصرية أن قاعة الأعمدة الكبرى تضم 134 عمودًا، ترتفع الأعمدة الأكبر في وسطها إلى نحو 21 مترًا. لهذا لا تنقل الصورة وحدها إحساس الوقوف بينها.
ومن الكرنك إلى معبد الأقصر، كان طريق الكباش جزءًا من المشهد الذي نتحرك حوله. يومها في يناير 2020 لم يكن الطريق قد أخذ بعد الضجة التي سيأخذها لاحقًا. أنا كنت أصوره وأراه كجزء من المدينة الأثرية، وبعد رحلتنا بعام تقريبًا صار العالم يشاهد الاحتفال بإعادة افتتاحه بعد أعمال الترميم الكبيرة.

الطريق نفسه يمتد بين الكرنك ومعبد الأقصر لمسافة تقارب 2.7 كيلومتر، وعلى جانبيه مئات التماثيل. وفي مصر القديمة كان طريقًا احتفاليًا مرتبطًا بعيد الأوبت. الاحتفال الذي شاهدناه لاحقًا على الشاشات كان في 25 نوفمبر 2021، أي بعد صورنا هذه بأقل من سنتين.
مصدر المعلومة: وزارة السياحة والآثار المصرية — طريق الكباش
هذه من الأشياء الجميلة في الرجوع إلى أرشيف الصور بعد سنوات. الصورة لا تحفظ وجهك فقط، بل تحفظ حالة المكان في لحظة معينة. نحن كنا هناك في 2020، والطريق في ذاكرة الصور عندي هو الطريق قبل مشهد الافتتاح الكبير الذي عرفه الناس في 2021.
ومعبد الأقصر نفسه كان قريبًا من نبض المدينة أكثر مما توقعت. لا تشعر أنك ذهبت إلى منطقة بعيدة ثم عدت إلى حياتك؛ الأثر موجود والمدينة حوله، والمقاهي والأسواق والشوارع قريبة. ربما لهذا أحسست أن الأقصر لا تعرض تاريخها داخل صندوق، بل تعيش معه.
خرجت من أيام الكرنك ومعبد الأقصر وطريق الكباش وأنا أفكر في عبارة بسيطة: بعض الأماكن نذهب إليها لأننا رأينا صورها، ثم عندما نصل نكتشف أن الصور كانت مجرد تعريف، وليست المكان.

اترك رد