من أول يوم بدأت أشعر أن الأقصر ليست مجرد مدينة أخرى في مصر التي أعرفها. أنا أعرف القاهرة جيدًا، وأعرف الإسكندرية، وعندي مع الاثنين ذكريات طويلة. لكن الأقصر كانت مختلفة في إيقاعها من البداية.
أول شيء لفتني الهدوء. شوارع مرتبة، حركة أخف، ومساحة تستطيع أن ترى فيها المدينة بدل أن تبتلعك الزحمة. طبعًا هذه كانت تجربتي في يناير 2020، وليست مقارنة عادلة بين مدينتين بحجمين مختلفين؛ القاهرة مدينة ضخمة، والأقصر أصغر بكثير. لكن بالنسبة لي، بعد سنوات من دخول القاهرة والخروج منها، كان الفرق واضحًا جدًا.

كان يومنا يبدأ مبكرًا وينتهي متأخرًا. معابد، نيل، سوق، وسط البلد، مقهى هنا ومطعم هناك. لم نكن من النوع الذي يذهب إلى أثر ثم يعود للفندق وينتهي اليوم. كنا نريد أن نرى المدينة نفسها، وأن نمشي بين الناس، ونجلس حيث يجلسون.
حتى عربات الخيل كانت جزءًا من صورة المكان. أكثر ما كان يلفتني الأولاد الصغار الذين يعملون حولها؛ تسمع الواحد منهم ينتقل بين أكثر من لغة وهو يتعامل مع السياح. واضح أن المدينة تعيش مع السياحة منذ سنوات طويلة، وأن الطفل هناك يتعلم مبكرًا كيف يخاطب القادم من بلاد مختلفة.
وأنا أقارن هذا بما رأيته في بعض زياراتي لمنطقة الأهرامات، كنت أشعر أن التعامل في الأقصر أهدأ. في الهرم مررت بمواقف فيها إلحاح ومضايقة للسائح، أما في الأقصر فكان الانطباع الذي خرجت به أن أهلها يريدون أولًا أن يكون الزائر مرتاحًا. أقولها كتجربة شخصية عشتها في تلك الأيام، لا كحكم على كل شخص وكل مكان.
وسط البلد له نصيبه من الرحلة
بعد المعابد كنا نرجع إلى وسط البلد. جلسات على النيل، السوق الشعبي، المقاهي، وممر الأكباش الذي كان حاضرًا في تنقلاتنا. الأقصر ليست مدينة آثار تنتهي عندما تغلق أبواب المعابد؛ الجزء الذي بقي معي منها أيضًا هو ما يأتي بعد ذلك، عندما يبدأ المساء وتعود المدينة لأهلها.
أتذكر كافيه أم كلثوم في وسط البلد، وأتذكر مطعم أم هاشم ووجبة المشويات. لا أدّعي أنني الآن أتذكر تفاصيل كل طبق بعد هذه السنوات، لكنني أتذكر أننا أكلنا جيدًا، وأن الطعام نفسه صار جزءًا من الحكاية.

والفول بالذات عجبني بطريقتهم. شيء بسيط جدًا، لكن المسافر يعرف أن أحيانًا أبسط التفاصيل هي التي تذكرك بمدينة بعد سنوات. قد تنسى اسم شارع، لكنك لا تنسى جلسة صباحية وأنت تعرف أن يومك كله ما زال أمامك.
أربعة أيام فقط قضيناها في الأقصر. على الورق تبدو قليلة، لكن يومنا كان حافلًا من الصباح إلى الليل. والأغرب أننا لم نشعر بها. عندما تستمتع بمدينة بهذا الشكل يصبح الوقت هو الشيء الوحيد الذي يجري أسرع منك.
كنت قد جئت إليها وأنا أريد تغييرًا عن القاهرة والإسكندرية. وبعد الأيام الأولى اكتشفت أنني لم أغير الوجهة فقط، بل دخلت إلى مصر أخرى لم أكن قد عرفتها من قبل.

اترك رد