في 2020 كنت قد تقاعدت تقاعدًا مبكرًا. كنت في السابعة والأربعين تقريبًا، بينما صديقي المصري أبو إسماعيل كان قد وصل إلى سن التقاعد بعد الستين. كل واحد منا خرج من رحلة عمل طويلة، تقارب الثلاثين سنة، وشعرنا أننا نستحق أن نعطي أنفسنا شيئًا من الراحة.
أبو إسماعيل من الأصدقاء الذين جمعتني بهم سنوات طويلة، وهو ظاهر معي في صور هذه الرحلة. قلت له: آتي إلى القاهرة، ومن القاهرة نطلع أنا وأنت إلى الأقصر. لم تكن الفكرة مجرد رحلة سياحية، بقدر ما كانت كسرًا لشيء اعتدناه لسنوات.
مصر بالنسبة لي كانت دائمًا القاهرة والإسكندرية، نفس الدائرة التي نعود إليها في كل زيارة تقريبًا. هذه المرة أردنا أن نخرج من الأماكن النمطية، ونذهب إلى مدينة سياحية من الدرجة الأولى، لكنها في الوقت نفسه ليست من الوجهات المعتادة للخليجيين. كنت أرى أن الأقصر مقصد للسائح الأجنبي أكثر من العربي والخليجي، وهذا زاد فضولي تجاهها.

ذهبت إلى القاهرة أولًا، وجلست فيها يومًا أو يومين. بعدها قطعنا تذاكر على مصر للطيران إلى الأقصر. كانت الأجواء شتوية، والجو باردًا نوعًا ما، وهذا أعطى الرحلة من بدايتها إحساسًا مختلفًا عن زيارات الصيف التي اعتدناها.
من أول لحظة وصول شعرت أنني أمام مصر أخرى. ليس بالضرورة مصر التي أعرفها من زحام القاهرة وضخامتها وسرعة إيقاعها. هنا كل شيء بدا أهدأ، والمسافة بينك وبين المكان أقصر.

سكنّا في فندق ممتاز جدًا، لكن أجمل ما فيه أنك لا تشعر أنك في فندق أصلًا. كان أقرب إلى بيت كبير تديره عائلة. الناس يعرفون بعضهم، والجو فيه حميمي، وفي الليل كنا نجتمع مع بعض نزلاء الفندق ونتبادل الكلام والضحك. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي بقيت في الذاكرة أكثر من أي فخامة.

كان الإفطار ضمن الإقامة، وبدأنا منذ اليوم الأول نلاحظ اختلاف المذاق والطريقة. حتى الفول كان له طابع مختلف. لاحقًا عرفت أن الرحلة ستترك عندي ذكريات كثيرة عن الطعام والناس أكثر مما توقعت.

في تلك اللحظة لم نكن نعرف أننا خلال أربعة أيام فقط سنشعر أن الوقت مر أسرع مما يجب، وأن الأقصر ستصبح واحدة من أكثر رحلات مصر اختلافًا في ذاكرتي.
كانت هذه البداية فقط. في اليوم التالي بدأت الأقصر تكشف لنا وجهها الآخر: المعابد، النيل، السوق، الناس، ومدينة شعرت معها أنني أعرف مصر من سنوات، ومع ذلك لم أكن أعرف هذه مصر.

اترك رد