من ٧٣ إلى الآن

محمد عبدالله · رحلات • ذاكرة • مصر

زرتُ مصر في الكتب قبل أن أزورها

كيف قادتني مكتبة صغيرة في بيت أسرة مصرية بحي الشميسي إلى نجيب محفوظ وكتب الجيب، فزرت مصر في الكتب قبل أن أزورها عام 1989.

في بداية الثمانينات، وتحديدًا في 1980 و1981 وما حولها، توطدت علاقتي بالأسرة المصرية التي كانت تسكن في الشميسي، الحي الذي بدأت حكايتي معه منذ الغرفة ٤٠٦.

وكما قلت سابقًا، كنت أذهب إليهم لأحضر دروسًا خصوصية مع المدام أم مصطفى في الرياضيات والتاريخ. وكانت أيضًا صديقة لأمي، وأمي كانت تجيد التعامل مع الأجانب والمغتربين، وكانت السيدة حريصة على أن أتعلم.

وبالصدفة، في يوم من الأيام، رأيت عندهم مكتبة.

كانت تلك أول مرة أنصدم فيها من وجود مكتبة داخل بيت. كنا نعرف أن المكتبات موجودة في المدارس، رغم أنني شخصيًا لا أذكر أنني لمحت مكتبة المدرسة أصلًا، لكن أن تكون هناك مكتبة في بيت عادي، فهذا كان شيئًا جديدًا بالنسبة لي؛ في زمن سبق أن كبرت بيوتنا وضاقت نفوسنا.

كانت تحتوي على كتب صغيرة، عرفت فيما بعد أنها ما يسمى «كتب الجيب»: المغامرون الخمسة، والرجل المستحيل، وكتب كثيرة أخرى من النوع نفسه.

عرفت بعد ذلك أنهم جلبوا هذه الكتب لمصطفى. ومصطفى، رغم أنه كان متفوقًا دراسيًا، لم يكن يحب القراءة كثيرًا، ولم يكن له كثير من الخيال الواسع.

أما أنا فبدأت أقرأ.

أستعير الكتاب منهم، أقرأه، ثم أعيده وآخذ غيره، حتى قرأت المكتبة كلها تقريبًا. لا أذكر الآن كل الكتب التي كانت فيها، فقد مضى على ذلك أكثر من أربعين سنة، لكنني أذكر تختخ والمغامرين الخمسة، والرجل المستحيل، وأذكر أنني بعد ذلك وجدت عندهم كتبًا لنجيب محفوظ ويوسف السباعي وغيرهما.

قرأت «بين القصرين»، و«اللص والكلاب»، وبدأت من تلك الكتب أتخيل مصر وأنا ما زلت طفلًا في الرياض.

الحسين، خان الخليلي، مصر الجديدة، المعادي، قصر النيل، والأحياء الشعبية… رأيت مصر كلها تقريبًا في تلك الكتب، واشتقت إليها قبل أن أعرف حتى مكانها جيدًا على الخريطة.

كان ذلك أول لقاء بيني وبين مصر والنيل.

زرتُ مصر في الكتب قبل أن أزورها على قدمي.

وعندما ذهبت إلى مصر فعليًا عام 1989، كانت بعض الأماكن مألوفة بالنسبة لي بطريقة غريبة. رأيت جروبي، ووسط البلد، وشارع الألفي، وعماد الدين، وحتى كلوت بك الذي كنت قد قرأت عنه وعن عالم الفنانين والموسيقيين والمغنين.

ومع الوقت مشيت في هذه الأماكن على قدمي. كنت أريد أن أراها واحدة واحدة، وكأنني أزور أماكن سبق أن عشت فيها، مع أنني لم أرها من قبل إلا في الكتب.

ومن يومها بدأت علاقتي الحقيقية بمصر.

استمرت علاقتنا بعائلة مصطفى حتى غادرنا نحن إلى السويد، بينما بقوا هم في الشميسي. لا أعرف متى رحلوا بعد ذلك. مرت السنوات، وكبرنا جميعًا. وعرفت فيما بعد أن مصطفى أصبح طبيبًا كبيرًا في مجال القلب في القاهرة، ورأيته مرة على فيسبوك، ولا أعرف إن كان يذكرني الآن أم لا. مضى على الحكاية زمن طويل.

لكنني أذكرهم.

وأحببت أن أوثق هذه الذكرى تحديدًا؛ لأن القراءة في الصغر قد تغير إنسانًا مدى حياته. وربما لو لم تقع عيني يومها على تلك المكتبة الصغيرة في بيتهم بالشميسي، لكانت أشياء كثيرة داخلي مختلفة اليوم.

شكرًا لعائلة سيد مصطفى، وشكرًا لزوجته الكريمة مديحة، التي ظلت أحوال أن أتذكر اسمها حتى عاد إلى ذاكرتي.

وشكرًا لمصطفى الذي سمح لي أن أستعير كتبه.

وطبعًا… شكرًا على الكيك والكعك أيضًا.

← الجزء السابق

اقرأ أيضًا

اترك رد

اكتشاف المزيد من من ٧٣ إلى الآن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة