الفندق يجعلك زائرًا، مهما طال بك الوقت. تدخل غرفتك، تنزل إلى الشارع، ثم ترجع إلى مكان ليس له علاقة كبيرة بالناس الذين قابلتهم في يومك.
بيت عائلة محيي في الوراق كان شيئًا آخر.
هناك لم تكن مصر بالنسبة لي سرير فندق وموعد خروج في الصباح. كانت بيتًا أدخله وأجلس فيه، وناسًا أعرفهم، وأكل بيت، ولمّة، وكلامًا عاديًا لا يحتاج برنامج رحلة ولا موعدًا مسبقًا.

وهذه التفاصيل هي التي صنعت الفرق.
في الصور القديمة أرى الغرفة كما كانت، وأرى الجلسات حول الطاولة، وأرى الأكل الذي يوضع أمام الجميع بلا تكلف. قد تبدو الصور بسيطة جدًا لمن يشاهدها اليوم، لكنها بالنسبة لي ليست صور منزل فقط. هي جزء من السبب الذي جعلني أعود.

أن تعرف بلدًا من داخل بيوته
هناك فرق كبير بين أن تعرف شعبًا من تعاملات الشارع، وأن تدخل بيته. في البيت ترى اليوم كما هو: الناس متى تجتمع، كيف تتكلم، كيف تأكل، وكيف تتحول من ضيف في أول مرة إلى شخص لم تعد زيارته غريبة.
هذا الذي حصل معي في الوراق. لم تعد علاقتي بالحي قائمة على أنني أعرف طريقًا أو شارعًا. صارت مرتبطة بالناس الذين في داخله.
كنت أسمع كثيرًا عن الأحياء الشعبية، وغالبًا يأتي الكلام من الخارج: هذا المكان صعب، وهذا المكان لا يدخله السائح، وهذا الحي فيه كذا وكذا. ربما في بعض الكلام شيء من الحقيقة، وكل حي له مشكلاته، لكن التجربة الشخصية قادرة أحيانًا على أن تكسر الصورة الجاهزة كلها.
أنا لم أكن أرى الوراق من نافذة سيارة. كنت أعرف بيتًا هناك، وأجلس مع أهله، وأمشي في الشارع وأنا أعرف إلى أين أعود.

وهذا جعل مصر أقرب.
اللمة التي بقيت في الصور
عندما رجعت إلى صور 2007 وجدت أشياء كنت قد نسيتها. جلسات رجال حول طاولة، وجبة بيت على الأرض، ووجوه كنت أراها وقتها جزءًا طبيعيًا من يومي. الكاميرا حفظت أشياء لم أكن أعرف أن الذاكرة ستحتاجها بعد كل هذه السنوات.
الغريب أن أجمل صور السفر ليست دائمًا التي تقف فيها أمام معلم مشهور. أحيانًا تكون صورة داخل غرفة بسيطة، أو سفرة أكل، أو جلسة لا يعرف الناس الذين فيها أنهم بعد سنوات سيصبحون جزءًا من أرشيف حياة كاملة.
لهذا حين أقول إن الوراق كان سببًا في استمرار علاقتي بمصر، فأنا لا أقصد الشوارع وحدها. أقصد البيت الذي كان هناك.
كل مرة رجعت فيها إلى مصر كان عندي مكان لا أشعر وأنا داخله أنني سائح. وهذه وحدها كافية لتشرح أشياء كثيرة.
الغيطان: حين يخرج البيت إلى الحقل
الوراق عند محيي لم يكن بيتًا فقط. كان هناك أيضًا غيطان، أرض زراعية ظلت في العائلة، نذهب إليها في الصباح لنفطر هناك مع محيي وأبناء عمومته وأقاربه.

الطريق قصير من البيت، لكنه يوصلك إلى عالم مختلف تمامًا. أرض مفتوحة، وشجرة نجلس تحت ظلها، وكوخ طيني بجواره تجتمع فيه العائلة كما لو كان امتدادًا للبيت نفسه.


هناك تُشعل النار لتحضير الشاي، وتُفرد سفرة الفطار على الأرض مباشرة، وتُفتح لفافات الطعام التي جُهزت في البيت وحُملت معنا. لا شيء مرتب بعناية، لكن كل شيء في مكانه الصحيح.



بعد الفطار يبقى الجميع قليلًا: من يستلقي يحتسي الشاي، ومن يتحدث، ومن يلتقط صورة جماعية قبل العودة. اللمة نفسها التي أراها في صور البيت، لكنها هنا أقرب إلى الأرض.


اترك رد