بعد ما ودّعت النواعير والسوق وقناة وسط المدينة، قال لي السائق: «طيّب، بس لسة شفت ربع الفيوم، لسة ما شفتش بعد». ضحكت وقلت له وريني. ركبت معه السيارة واتجهنا جنوبًا غرب الفيوم، نحو الصحراء، لمحمية وادي الريان وبحيرة قارون، وهما الوجهة اللي كل زائر للفيوم يسمع عنها من أول يوم يوصل.

الطريق بره المدينة يتغيّر شكله بسرعة. البيوت تقل، والنخل يخف، ولافتات الطرق تبان بعيدة عن بعض، كل واحدة تقول لك كم كيلو باقي. وقفنا عند دوّار فيه لافتتين، وحدة تشاور على محمية وادي الريان والثانية على طريق تاني، فسألت السائق: «كم يبعد من هنا؟» قال: «نص ساعة تقريبًا، بس الطريق نفسه جزء من المتعة، شوف حواليك بس». وفعلاً، كل ما ابتعدنا عن العمران، الأفق يتوسّع والسما تصفى أكثر، وكأن الصحراء تفتح لك ذراعيها بهدوء.

وصلنا لبوابة المحمية، طريق أسفلتي نظيف يشق الرمال من الجهتين، وعمودين حجريين يحدّان المدخل وكأنهما يستقبلان الزائر رسميًا. عند البوابة كان جالسًا حارس كبير في السن، سلّمنا عليه فرحّب بنا وقال: «ادخلوا يا هلا، بس امشوا بهدوء، هنا كل شي طبيعي ما حد يلمسه». سألته من باب الفضول: «من متى المكان محمية؟» فقال: «من زمان، من أيام السبعينات، لما حكومتنا حسّت إن المكان ده كنز لازم يتحمي». كلامه بسيط، بس صحيح تمامًا – عرفت بعدها إن وادي الريان أُعلن محمية طبيعية عام ١٩٨٩، وإنه من أوائل المحميات في مصر أصلاً.

على مقربة من البحيرتين وقفت أقرأ لافتتين مغروزتين في الرمل، وحدة بالعربي والثانية بالإنجليزي، تقولان للزائر ما يجوز وما ما يجوز: ما تصطاد، ما تشعل نار، ما تاخذ حجر ولا نبتة معك. حسّيت وأنا واقف هناك إن المكان بيتكلم بلغته الخاصة: «إنت ضيف هنا، مو صاحب البيت». سألت أحد العاملين اللي كان يمر من هناك عن حكاية المكان، فقال كلام ما كنت أعرفه: إن وادي الريان أصلاً كان منخفض صحراوي فاضي، ولما بدأوا يصرّفون مياه الري الزايدة من حقول الفيوم فيه بداية السبعينات، تكوّنت بحيرتين، واحدة عليا وواحدة سفلى، وبينهما فرق في المنسوب، وهذا الفرق هو اللي طلّع لنا الشلالات اللي رايحين نشوفها.

ولما وصلت للشلال نفسه، نسيت كل الكلام اللي سمعته وركّزت بس على المنظر: ماء أبيض يتدفق من فوق صخر بني إلى بركة خضراء تحته، وأطفال ونسوان وشباب يقفون تحت الماء يضحكون بصوت عالي، وكأنهم اكتشفوا كنز في نص الصحراء. خلعت حذائي ونزلت لطرف البركة، والماء كان بارد بشكل يفاجئك وسط هالحر. سألت واحد من الشباب اللي كان يسبح: «إنتوا من هنا؟» قال: «لا، من القاهرة، بس نجي هنا كل صيف، ما يعوّض حد هالمكان». وفعلاً سمعت إن وادي الريان هو المكان الوحيد في مصر كلها اللي فيه شلالات طبيعية بهالشكل، وقريب منه بمسافة قصيرة يقع «وادي الحيتان»، اللي لقوا فيه عظام حيتان عمرها ملايين السنين، من زمن كانت هالصحراء بحر.
بعد ساعة أو أكثر عند الشلال، تابعنا الطريق لبحيرة قارون، اللي تعتبر خاتمة الرحلة ولؤلؤتها. البحيرة كبيرة جداً، تحس وإنت واقف على شاطئها إنك قدام بحر مو بحيرة، مياهها فيها لون أزرق يميل للأخضر، وسكون ما يقطعه إلا صوت مجاديف بعيدة.

وقفت أراقب صياد وحيد يجدف بقاربه الصغير في نص البحيرة، هدوءه يعدي لك وإنت بس واقف تتفرج. جلست جنب رجل مسن كان قاعد على حجر يراقب البحيرة مثلي، فسألته: «ليش سموها قارون؟» ضحك وقال: «أهل البلد يقولون قصص كثير، البعض يربطها بقارون اللي ذكره القرآن وكنزه اللي ابتلعته الأرض، والبعض يقول التسمية من شكل الأرض اليابسة اللي كانت بارزة زي القرون وسط البحيرة زمان». ما أدري أي القصتين أصح، بس عرفت بعدها إن البحيرة تاريخها أقدم بكثير من القصص كلها – يقولون إنها من أقدم البحيرات الطبيعية في العالم، وإنها تكوّنت بشكلها الحالي من أكثر من ثلاثة آلاف سنة، أيام قدماء المصريين، لما استخدموها كخزان طبيعي ينظم فيضان النيل، وكان اليونانيون القدامى يسمّونها «بحيرة موريس». ومع مرور الزمن، وبسبب انقطاع اتصالها بالنيل وزيادة التبخر، تحوّلت مياهها من عذبة إلى مالحة شوي شوي، وصارت بيتًا لأنواع أسماك وطيور مهاجرة تجيها من كل حدب وصوب شتاءً.
قعدت هناك لين قربت الشمس تغيب، والضوء الذهبي ينعكس على سطح الماء، والصياد لسه يجدف ببطء وكأن الوقت متوقف عنده. فكّرت وأنا راجع إن يوم واحد ما يكفي أبداً لمكان يجمع صحراء وماء وتاريخ وأسطورة في بقعة واحدة. الفيوم في زيارتي الثانية أعطتني أكثر مما توقعت: نواعير تحكي عن الماضي، وسوق يحكي عن الناس، ووادي ريان يفاجئك بشلال وسط الرمل، وبحيرة قارون تختم اليوم بسكون ما تنساه.
هذه الصور التقطتها بنفسي في تلك الزيارة، ونُشرت أول مرة قبل سنوات على منتدى «المسافرون العرب» باسمي هناك: عاشق الكنانة.
إذا كنت ستزور المكان اليوم
هذه ذكرى محمد الشخصية عن وادي الريان وبحيرة قارون كما كتبها، دون أي تعديل. إذا كنت تخطط لزيارة الفيوم اليوم، فقد يفيدك دليلنا العملي:

اترك رد