من ٧٣ إلى الآن

محمد عبدالله · رحلات • ذاكرة • مصر

زيارتي الثانية للفيوم: بلد أحببته وعشت ناسه

زيارة ثانية للفيوم: النواعير القديمة، سوق السلال اليدوية، القناة الهادئة، والحقول الخضراء – بلد أحببته وعشت ناسه.

نواعير الفيوم القديمة تدور في قلب المدينة

في المرة الثانية، ما كنت سائحًا يبحث عن صورة يلتقطها ويمشي. كنت راجعًا لبلد سبق وحطّيت فيه رجلي مرة، وحسّيت من أول لحظة إني ما أبغى أطلع منه بسرعة. الفيوم مو مدينة تتزاحم فيها القاهرة بضجيجها، هي أقرب لقرية كبيرة قررت تكبر شوي بس ما تنسى أصلها. من أول ما تدخلها، الهوا يتغيّر، والوقت يمشي أبطأ. حتى السائق اللي وصّلني من المحطة قال لي وهو يبتسم: «انت جاي الفيوم ثاني مرة؟ يبقى انت واحد منا بقى». ضحكت وما رديت، بس جوه نفسي حسّيت إنه صادق.

نزلت من السيارة عند مدخل المدينة القديم، وحطّيت شنطتي جنب، ومشيت شوي بلا وجهة، بس عشان أسمع المكان قبل ما أشوفه.

نواعير الفيوم القديمة تدور في قلب المدينة
من أرشيف الكاتب، نُشرت أول مرة على منتدى المسافرون العرب باسم عاشق الكنانة

أول شي يستقبلك في الفيوم صوت الماء. ماء يدور، وماء ينزل، وماء يهمس بين الحجارة القديمة. النواعير اللي شفتها هناك مو مجرد آلة خشبية تدور، هي قلب المدينة النابض. وقفت طويل أتفرج عليها وهي تلف بهدوء، تاخذ الماء من مكان وتوصله لمكان، بنفس الطريقة اللي كانت فيها من مئات السنين. جالس عند الناعورة رجل كبير في السن، لابس جلبابه الأزرق ومسبحته في يده، قاعد يتفرج على الماء وكأنه يحرسه. سلّمت عليه وجلست جنبه شوي، فقال لي وهو يشاور بيده على الناعورة: «هذي أقدم منك ومني يا ابني، جدي حكى لي إن جده شافها تدور، وما وقفت يوم واحد إلا إذا انكسر خشبها». سألته: «ما تتعبون تصلحونها كل مرة؟» قال: «المية ما تتعب، ليش نتعب إحنا؟». ضحكت من جوابه، بس الجملة ظلت عالقة في راسي طول اليوم. حسّيت إني واقف قدام شي أقدم مني بكثير، شي شاف أجيال تجي وتروح وهو باقي يدور، ما تعب وما استعجل. سمعت بعدين من ناس المكان إن الناعورة تاخذ ميتها من فرع قديم يسموه «بحر يوسف»، مويته جايه من بعيد، من قبل ما تكون فيه شوارع أصلاً، وإن أهل الفيوم يتوارثون تصليحها أب عن جد، ما حد يشتغل فيها إلا ناس البلد نفسها.

سلال وقفف يدوية معروضة للبيع في سوق الفيوم
من أرشيف الكاتب، نُشرت أول مرة على منتدى المسافرون العرب باسم عاشق الكنانة

من عند النواعير مشيت شوي، ولقيت نفسي وسط سوق بسيط، ما فيه صخب المدن الكبيرة. أكوام من السلال والقفف مصنوعة يد، من خوص النخل وسعف البردي، مرصوصة على الرصيف بترتيب يشبه أصحابها الهادئين. جلست أتفرج على واحد من الصنّاع وهو يفتل الخوص بين إصبعينه بسرعة وحرفية ما تتعلم بيوم ولا سنة. سألته عن شغلته، فضحك وقال كلمة بسيطة ما نسيتها: «هذا اللي يطعمنا، وهذا اللي ورثناه». جلست عنده أكثر من نص ساعة، أتفرج بس، وهو يشتغل ويحكي لي عن أولاده الخمسة وعن أبوه اللي علّمه الصنعة وعن السوق اللي ما تغير من زمان جده. عرض علي شاي بالنعناع من كوب صغير، وأنا رافض أول، بس هو ألحّ بابتسامة ما تقدر تردها. جلست أشرب الشاي وأتفرج على الحركة البسيطة حولي: امرأة تفصل بسعر سلة، طفل يجري بين الأكوام، وبائع بطيخ ينادي بصوت هادئ ما فيه استعجال. في تلك اللحظة فهمت إن الفيوم ما تبيع لك صور بس، تبيع لك ناس عايشين على صنعتهم وراضين فيها.

قناة الفيوم الهادئة وسط المدينة
من أرشيف الكاتب، نُشرت أول مرة على منتدى المسافرون العرب باسم عاشق الكنانة

بعدها اتجهت نحو القناة اللي تشق المدينة من نص. ماء هادئ، أخضر شوي من ظل الأشجار المنعكس عليه، وعمارات قديمة على الجانبين تطل عليه من شرفاتها. مشيت على حافتها وقت الظهيرة، والشمس قوية، بس فيه نسمة تجي من جهة الماء تخفف من حرّها. ناس عادية تعبر الجسر، دراجات، عربات كارو، وسيارة أجرة بيضاء وخضراء واقفة تنتظر راكب. وقف جنبي شاب يبيع فول وطعمية من عربة صغيرة، فسألته عن اسم القناة، فقال: «دي بحر يوسف يا باشا، أقدم من القاهرة نفسها، من زمن الفراعنة». ما أدري إذا كلامه دقيق تاريخيًا ولا لأ، بس المهم إنه قاله وهو فخور، وكأنه يتكلم عن فرد من عيلته. ما فيه استعجال في المشهد كله. حتى الماء نفسه يجري بهدوء، وكأنه يعرف إنه ما له داعي يتسرّع.

حقول خضراء ونخيل في ريف الفيوم
من أرشيف الكاتب، نُشرت أول مرة على منتدى المسافرون العرب باسم عاشق الكنانة

وبعد ما طلعت من وسط المدينة، الطريق فتح لي على مشهد ثاني كلياً: حقول خضراء ممتدة، نخيل متباعد يرسم خط الأفق، وأرض محروثة حديثاً تنتظر غرسها الجديد. هنا فهمت ليش الفيوم اسمها «سلة غلال مصر». وقفت عند طرف حقل أتأمل النخل البعيد، فجاء فلاح يمشي بجانب حماره محمّل بأكياس، سلّم علي بحرارة وسألني من وين جاي. لما قلت له من السعودية، ابتسم وقال: «يا هلا بيك، البلد دي فيها الخير كله، جرب تروح بحيرة قارون لو معك وقت، مية زرقة تفرح القلب». ما كان معي وقت أوصلها في تلك الزيارة، بس كلامه زرع فيني رغبة أرجع مرة ثالثة أشوفها. الخضرة ما تنتهي، والهدوء يكبر كل ما ابتعدت عن المركز. حسّيت إن هذا المكان يعطيك درس بسيط: إن الجمال مو دايمًا في الزحمة والضجيج، أحيانًا يكون في سكون حقل، وفي ناعورة تدور من غير ملل، وفي رجل بسيط يشاركك خبرته عن بلده بلا مقابل.

رجعت من زيارتي الثانية للفيوم وأنا متأكد إني بأرجع لها مرة ثالثة، لأن بعض الأماكن ما تودّعها، تودّعك هي وتقول لك: «تعال بعدين». الفيوم علّمتني إن السفر مو بس تغيير مكان، هو أحيانًا تغيير إيقاع، تبطئ فيه خطواتك عشان تسمع صوت الماء، وتشوف وش يسوّي الناس البسطاء بأيديهم، وتحس إن في زاوية من الدنيا لسا محتفظة بطعمها الأصلي. ولين اليوم، لما أسمع صوت ماء يجري من صنبور أو مروحة تدور، يرجع لي صوت الناعورة، وضحكة الرجل العجوز وهو يقول: «المية ما تتعب».

هذه الصور التقطتها بنفسي في تلك الزيارة، ونُشرت أول مرة قبل سنوات على منتدى «المسافرون العرب» باسمي هناك: عاشق الكنانة.


إذا كنت ستزور المكان اليوم

هذه ذكرى محمد الشخصية عن الفيوم كما كتبها، دون أي تعديل. إذا كنت تخطط لزيارتها اليوم، فقد يفيدك دليلنا العملي:

اقرأ أيضًا

كل مقالات

اترك رد

اكتشاف المزيد من من ٧٣ إلى الآن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة