إذا سألتني اليوم عن أكثر شيء بقي معي من رحلة الأقصر، فلن أبدأ بالكرنك ولا حتشبسوت ولا طريق الكباش. كل هذه أماكن عظيمة، لكن الموقف الذي لا أنساه كان مع رجل يقود تاكسي.
كان معنا طول النهار. لفّ بنا على المعابد، وانتقل معنا من مكان إلى مكان. وفي نهاية اليوم جاء وقت الحساب مثل أي مشوار طويل. عندما عرف أنني سعودي رفض أن يأخذ الأجرة.
في البداية تتوقع أنها مجاملة وتنتهي بعد قليل: تشكره، يصر مرة، تصر أنت مرة، ثم يأخذ حقه. لكن الرجل كان جادًا. رفض أن يأخذ جنيهًا واحدًا رغم أنه قضى معنا اليوم.
ويا ليته وقف عند هذا الحد.
بدل أن يعيدنا مباشرة إلى الفندق، أخذنا إلى بيته. وهناك أقام لنا وليمة. صارت الحكاية في آخر اليوم أن الرجل الذي كان من المفترض أن ندفع له مقابل عمله هو الذي استضافنا وأطعمنا، ثم ظل رافضًا أن يأخذ أجرته.
هذا موقف لا يُنسى. ليس لأنه وفر علينا أجرة تاكسي؛ الأجرة لا قيمة لها أمام الموقف نفسه. الذي بقي هو الكرم بهذه البساطة، ومن شخص لم نكن نعرفه قبل ذلك اليوم.
وأعتقد أن هذا الموقف لخّص لي شيئًا شعرت به في الأقصر كلها. من الأولاد الصغار حول عربات الخيل، إلى أصحاب الأماكن، إلى الناس الذين تعاملنا معهم، كان عندي إحساس أن المدينة تعرف قيمة ضيفها. لم أشعر أن كل خطوة فيها معركة على المال، بل كثيرًا ما وجدت اهتمامًا براحة السائح قبل أي شيء آخر.

الفندق الذي كان بيتًا
حتى الفندق كان يكمل هذا الشعور. قلت في بداية الرحلة إنه لم يكن يشعرك أنك في فندق، وهذه ليست جملة إنشائية. المكان كانت تديره عائلة، وفي الليل نجتمع مع بعض النزلاء، نتكلم ونجلس كأننا في بيت كبير.

كنا نخرج في الصباح ونرجع آخر النهار ونحن محمّلون بصور ومواقف. إفطار، معبد، شارع، مقهى، نيل، سوق، عشاء، ثم جلسة في الفندق. اليوم ممتلئ من أوله إلى آخره، ومع ذلك لا تشعر بالتعب الذي يجعلك تتمنى انتهاء الرحلة.
قضينا أربعة أيام. أربع فقط. الآن وأنا أكتبها بعد سنوات أشعر أنها كانت أطول في الذاكرة من مدتها الحقيقية، وأقصر بكثير عندما عشناها. لم نشعر بالأيام وهي تمشي.
ذهبت إلى الأقصر لأغير النمط بعد سنوات من القاهرة والإسكندرية. رجعت منها وأنا أعرف أن مصر التي عرفت منها الكثير ما زال فيها وجه كامل لم أكن قد رأيته.
المعابد كانت عظيمة، والنيل جميل، والبلد أعجبني بنظافتها وترتيبها، لكن عندما أسأل نفسي ما هي الصورة الأخيرة التي أضعها للرحلة، فهي ليست حجرًا عمره آلاف السنين.
هي رجل من أهل الأقصر قضى معنا يومًا كاملًا، ثم رفض أجرته وأخذنا إلى بيته وأطعمنا.
الأقصر كانت ممتعة لأبعد حد، ومختلفة كثيرًا عن مصر التي أعرفها. وربما لهذا، بعد مرور كل هذه السنوات، بقي أهلها في الذاكرة جنبًا إلى جنب مع معابدها.

اترك رد