تكملة لِـالجزء الثاني: من الرياض إلى حدود الوطن.
كان منظر الميناء مخيف: كتل بشرية أغلبها تبي تركب البحر. من سوء الحظ تأجلت الرحلة، وكانت الإجراءات في غاية السوء. افترشنا الأرض جنب سيارتنا، والوقت يمشي وما فيه أمل، لين أخطأت إحدى سيارات الميناء ورجعت للخلف وكادت تدهس وحدة من النسوان. استغل العم منصور الموقف وانفجر غاضب مطالب بالسفير، وجا المسؤولون يسترضونه، وفجأة – وبلا مقدمات – خلصت كل الإجراءات وصعدنا العبّارة.
ما أذكر قد ايش قعدنا في البحر، بس لحظة وحدة ما بأنساها: شفت العلم المصري يرفرف على ميناء نويبع. أخيرا… مصر.
بس الفرحة ما طالت. ميناء نويبع كان أسوأ من العقبة: زحمة وفوضى وتعب. طلعنا بالليل، وقرر العم منصور ننام هناك قبل لا نكمل للقاهرة. أخذ وقت طويل يدور على منتجع «يشبه المقبرة» – بلا حفلات ولا انفتاح – مواصفات صعبة جدا في بلد سياحي! وأخيرا لقى ضالته. هم أخذوا شاليهات، وكان نصيبنا إحنا العزّاب خيمة على البحر.
كانت تلك الفترة بداية التسعينات ومصر يضربها إرهاب عنيف، فكان المنتجع فاضي تقريبا، وما فيه عشا غير اللي جبناه معنا. أنا وعبدالله – وكالعادة – ما قدرنا نقعد ساكتين. شفنا جنبنا منتجع ثاني، يفصلنا عنه بس شبك امتد للبحر. نظرنا لبعض، وبلا كلام رفعنا بناطيلنا فوق الركبة ودخلنا البحر، وتجاوزنا الحدود بين المنتجعين.
هناك كان المشهد مختلف تماما: أنوار، مسرح، مطعم فيه ما لذّ وطاب. قعدنا نتفرج، والزباين كلهم أجانب، وعوائل كاملة والأطفال يشاركون على المسرح. بعد العشا طلبنا شاي، وقعدنا نحاول نخمّن لغة الناس اللي حوالينا. لين جا الجرسون يفصل بيننا في التخمين، سألته: «من وين هالناس؟» قال بلهجة سريعة: «دول يهود من إسرائيل».
انصدمت. عبدالله فتح فمه من الصدمة. وبلحظة وحدة تغيرت نظرتنا لكل اللي حولنا – حتى الأطفال اللي كنا نشوف فيهم البراءة. حسينا إن المكان صار ضيق فجأة. طلبنا الفاتورة وحاسبنا ورجعنا لخيمتنا نتناقش في اللي صار، وما قدرنا ننام إلا شوي.
اترك رد